وعاء قلبي (1)

بقلم: أم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت


وقفة:
عن حنظلة بن الرَّبيع الأسيدي – رضي الله عنه – قال: لقيني أبو بكر قال: كيف أنت يا حنظلة؟
قلتُ: نافَقَ حنظلة!
قال: سُبحان الله! ما تقول؟!
قلتُ: نَكون عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأيُ عَين، فإذا خَرجنا من عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عَافسْنا الأزواج والأولادَ والضَّيعات، نَسينا كثيرًا.
قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا.
فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلْنا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت: نافق حنظلةُ يا رسول الله!
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((وما ذاكَ؟)).
قلت: يا رسول الله، نكون عندك تُذكِّرنا بالنار والجنَّة كأنَّا رأيُ عَين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواجَ والأولاد والضَّيعات، نسينَا كثيرًا.
فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر، لصافحتْكم الملائكةُ على فُرُشكم وفي طُرُقكم، ولكن يا حنظَلةُ، ساعةً وساعةً)) ثلاث مرات؛ (رواه مسلم).

———–

مُنذ فترة وهي تعاني مع قلبها وما أصابه من أمراض حتى ابتعدَتْ عن القُرآن، وصارت مُقصِّرةً في الطَّاعات! فصارَحَت معلمتَها شاكيةً لها حالها وما آل إليه قلبُها، طالبةً السَّماح في انقطاعها عنها لحين تستردُّ قلبها وتطهِّره.

فقد ورد عن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أنه قال: “واللهِ لو طَهرت قلوبُكم، ما شَبعت من كلام ربكم”؛ (الزهد لابن المبارك).

فطلبت مُعلمتها منها اللقاء، وقد كان:
المُعلِّمة: حَسنًا، علَّنا نبدأ جلستنا وننطلق بها من أساس لا خلاف عليه، وهو رأس الأمر كله، ألا وهو حب الله – عز وجل!

انظري معي يا حبيبة إلى تفسير آية: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة:165].

يقول الشيخ المغامسي – حفظه الله – في تفسير الآية: “وهؤلاء المؤمنون لما كان محبوبُهم – وهو الله – ليس له مثيلٌ، كان حبُّهم لله لا يعدل حبَّهم لأي شيء آخر؛ لأن الله ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى:11]، ومنزلة محبَّة الله – جل وعلا – مِن أعظم المنازل التي يُعطاها العبد؛ لأنها مع الرَّجاء والخوف هي مدار الدين كله، ومن رحمة الله – جل وعلا – بك أن يجعل قلبك وعاء لحُبِّه – تبارك وتعالى”؛ اهـ.

أكثر ما استوقفني هو الكلمات الأخيرة: “قلبك وعاء لحبه – تبارك وتعالى”.

فهل تظنِّين أن الوعاء فارغ ليتسع لهذا الفضل؟
الأمر يلزمه الكثير، وسبحان الله! سَرعان ما يمتلئ الوعاء بما لا ينفع!

هي: الحق أنه ليس بفارغ، وأشعر وكأنَّ حبَّ الله لم يَعمر قلبي كما ينبغي؛ فحبُّ الله – عز وجل – كبير، والوعاء مَهما وسِع أشياء كثيرة، لكنه عند حب الله لا يستطيع أن يسع غيره؛ فحب الله غيور؛ أي: إما أن يكون حبُّ الله – عز وجل – وحده في القلب أو لا يكون، كما أنه من أساس كمال الإيمان، فعن أنس عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((ثلاثٌ من كنَّ فيه، وجد حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، وأن يكرَهَ أن يعودَ في الكُفر كما يكره أن يُقذف في النار))؛ (رواه البخاري).

المعلمة: إذًا برأيك ما الواجبُ علينا فِعله لنفرغ قلوبنا ونتغيَّر، ونبدل ما فيها؟
هي: الواجب هو تَطهير القلب بالدُّعاء أولاً، ثم العمل.

المعلمة: أحسنتِ، سبحانك ربي! ما أكثر الغافلين عن أهمية الدُّعاء ها هنا رغم حثِّ السلف عليه! فهو البداية الحقيقية؛ فعن الحسن أن أبا الدرداء كان يقول: “جِدُّوا بالدعاء؛ فإنه من يُكثر قرْعَ الباب، يُوشك أن يُفتح له”؛ (أخرجه ابن أبي شيبة).

وعن حذيفة قال: “ليأتينَّ على الناس زمان لا يَنجو فيه إلا مَن دعا بدعاءٍ كدعاء الغريق”؛ (أخرجه ابن أبي شيبة).

أكملي باركَ الله فيكِ.

فتابَعَتْ قائلةً: كذلك بالإضافة للدعاء نحتاج أن نتعرَّف على الله – عز وجل – فبدون التعرف عليه لن نستطيع حبَّه كما ينبغي، وكلَّما تعرَّفنا عليه أكثر زاد حُبُّنا له إلى درجة تفوق حبَّنا لأي شيء آخر، ووقتَها فقط سنشعر بحلاوة الإيمان كما أخبرنا رسولُنا الحبيب – صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما…)).

المعلمة: نعم، سبحان الله!
إذًا بما أننا اتفقنا على أن القلب هو موضع البحث، فتعالَي نُلقي نظرةً على ما قاله الشيخ المغامسي في أحوال القلوب؛ لنذكِّر بها قلوبنا.

يقول الشيخ: “قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة:74].

بعد أن بيَّن الله لهم هذه الآيات الدالَّة على وحدانيتهِ وعلى قُدرته، وعلى أنه يجبُ أن يُعبد دون سواه، وأن يُخضعَ له بالقول والفعل، أخبر الله – جل وعلا – أن طول الأمد كان سببًا في قسوة قلوبهم، فعبَّرَ الله عن قسوة القلوب بالحجارة، ولم يُعبر عن قسوة القلوب بالحديد، مع أنه قال سبحانه: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ [الحديد:25]، لكنَّك تلاحظ أن الله ألان الحديدَ لداود، ولم يلنِ الحجارة لأحد إلا لخشيته، فالنار – أعاذنا الله وإياكم منها – قادرةٌ على الحديد؛ لكنها غير قادرة على الحَجر، فالحجر لا يُذيبه النار، فلما أراد الله أن يُشبِّه قسوة قلوب بني إسرائيل جعل مثلاً لها الحجارة”؛ اهـ.

ثم قال: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ﴾ [البقرة:74].

وهذه منافع دنيوية، ثم ذكر مَرتبةً أعلى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 74]، وهذا نعي على أصحاب القُلوب القاسِيَة، فإذا كانت الحِجارة التي هي المَثل الأعلى في القساوة، يحصل منها أن تَهبط من خَشية الله، فأي نعي لقلب من قلوب بني آدم الذي لا يلين من أجل ذِكر الله؟! واللهُ يقول: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، والقلوب الحقَّة التي على الفِطرة لا تَلين بشيءٍ كما تَلين بذكر اللهِ – جل وعلا تبارك وتعالى”؛ اهـ.

هي: الله المستعانُ؛ إن للجزء الثاني من الآية وقْعًا شديدًا على النَّفْس إذا ما تأملناها، فالحجارةُ تهبط من خَشية الله، أما قلُوبُنا – والله المستعان – فهي أشدُّ قسوةً من الحجارة.

اللهم أسألك بكلِّ اسم هو لكَ، أن تُحيي قلوبَنا وترزقنا خَشيةً وخشوعًا في جميع جوارحنا وأعمالنا يا رحمن يا رحيم!

المعلمة: الله المستعان.
انظري، دعاءك هذا علَّه يكون هو ما نبتغي من مجلسنا!

نريد أن نعترف بالفَقر والحاجة والعَجز، وأن نصارِح أنفسنا أننا لا شيء، فهذا الأمر – الاعتراف بالفقر والعجز والحاجة – يأخذ بيدك لفضاءات الحب.. حبِّ الله!

هي: وكيف لي ذلك وأنا مَشغولة عنه – سبحانه – وأنساه في وسط انشغالات الحياة؟!
كيف لي ذلك وقد التهيت بعالمي الصَّغير – كأم وزوجة – وأنسيت في وسط انشغالاتي كل شيء حولي بما فيه من خالق ومخلوقات، أنسيت أنني لا شيء، وصدق الله حين قال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [الأنفال: 28].

المعلمة: لذلك أقولُ: يجب أن نؤمن ساعة!
صدقيني كلامُك ووعظُك لنفسك من خلال وعظك لغيرك سيجعلك تشعرين بالفرق؛ فالمرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، فلا تبخلي على نفسك بوعظها من خلال هذا الطريق.

قال الحسن: “إنكَ لن تَبلغَ حقَّ نصيحَتك لأخيك، حتى تأمرَه بما تَعجِز عنه”؛ (جامع العلوم والحكم؛ لابن رجب).

وقال عمر بن عبدالعزيز: “لو أنَّ المرءَ لا يعظ أخاه حتى يُحكِم أمرَ نفسه، ويُكمل الذي خُلق له من عبادة ربِّه، إذًا لتواكل الناسُ الخير، وإذًا يُرفع الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر، وقلَّ الواعظون والساعون لله – عزَّ وجلَّ – بالنَّصِيحَة في الأرض”؛ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لابن أبي الدنيا).

هي: فعلاً، لاحَظتُ ذلك، فكثيرًا ما تسأل الأخوات سؤالاً وأجدُ الله يَفتح عليَّ بالإجابة التي كنتُ أَبحث عنها لنفسي منذ زمن، ثم يُلهمني الله إياها من أجل تلك الأخت!

المعلمة: إذًا فَورًا أَرجِعي الفضلَ لصاحب الفضل – الله عز وجل – لتملكي قلبك!
هي: لكن هذا ليس كافيًا بالنسبة لي.

أريد أن أستشعر عظمته ومراقبته طول الوقت وليس وقت الموعظة، والتي ما ألبثُ بعدها أن أنشغل وأنساه سبحانه مرة أخرى، والله المستعان!

المعلمة: أعلم، ولكنها البداية!
هل تذكرين شكوى حَنظلة – رضي الله عنه – من هذا الأمر تحديدًا؟

عندما شكا حاله للرسول – صلى الله عليه وسلم – من رقَّة القلب عند وجودهم معه – عليه السلام – حالَ وعظهم، وكيف يذهب هذا الإحساس حال العودة للزَّوجة والأولاد والأعمال؟

هي: نَعم أذكره، وقد ردَّ حبيبنا المصطفى قائلاً: ((والذي نفسي بيده، لو تَدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر، لصافَحَتْكم الملائكةُ على فُرُشكم وفي طُرقِكم، ولكن يا حنظلةُ، ساعةً وساعةً!)).

المعلمة: إذًا هو طَبيعة بشريَّة.

هي: صحيحٌ! هي طبيعة بشريَّة، لكن هل كان حالهم بنفس سُوء حال أُمَّتنا الآن؟

وهل كان حاله مثل حالي تحديدًا؟
ربما الصَّحابة – رضوان الله عليهم – انشغلوا ولم يَتفكَّروا كثيرًا في الجنة والنار حينما يتركون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لكن كانت قلوبُهم مستمرةً في استشعار رِقابة الله وخشيَتِه في كل قول وفعل!

المعلمة: حسنًا، دَعينا نتأمل هذا الحديث:
عن أبي نجيح العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال: وعظَنا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – موعظةً وجِلَتْ منها القُلوب، وذَرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها مَوعظة مودِّع؛ فأَوصِنا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله – عز وجل – والسمع والطاعة، وإنْ تأمَّرَ عليكم عبدٌ؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإن كل بدعةٍ ضلالة))؛ (رواه أبو داود والترمذي).

يقول الشَّيخ عطيَّة محمَّد سالم في شرح الحديث: “وهكذا يكون حالُ المؤمن إذا ذُكر اللهُ عنده، وإذا ذَكَر اللهَ في نفسِه، وإذا سمع القرآنَ الكريم، المؤمنُ حقًّا يكون صافي القلب، ويقشعرُّ جلده ويلينُ لذكر الله، أما من رانَ قلبه بالمعاصي، وحُجب عن نور الإيمان، فإنه لا يتأثر، ولا يكون لآيات الله ولا لذكر الله عنده تأثير، وكما أشرت فالناس في هذا الباب على طرفَي نقيض: رجل قاسي القلب، وآخر يتصنَّع الخشوع والبكاء، والأمر يَبقى على حقيقتِه عندما يكون العبد ملتزمًا بكتاب الله وسنة رسوله حقًّا، فإنه بلا شكٍّ يتأثر إذا سمع كتاب الله، وإذا كان مُدعيًا ذلك بغير حق، فإنه كما يقال: “لابس ثوب عارية”، وثوب العارية شفَّاف لا يقي ولا يستر! وطريق الخشوع ما بيَّنه العلماءُ: أن الإنسان إذا قرأ كتابَ الله، وتلا آياتِه، أمعنَ فيها، وبذلك يصل إلى قلبه، ويَعي ما يقولُ، وبهذا يتأثر بما يقرأ، وكان بعض السلف يقومُ الليل يقرأ، فتُوقِفُه آيةٌ يظل يُردِّدها حتى يَطلع الفجرُ.

وهكذا هنا قال الراوي: (مَوعِظةً بَليغَة)، ومَن أبلغُ مِن رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -؟! موعظة يسمعها أصحابُ رسول الله، ومَن خيرٌ مِن أصحاب رسول الله؟! أولئك الذين أُشربت قلوبُهم الإيمانَ بالله وبرسوله، وأولئك الذين زادت شفافيةُ قلوبهم وأرواحهم، وتأثَّروا فِعلاً بصُحبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم.

يأتي حَنظلة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فيقول: “نافق حنظلة يا رسول الله! قال: ((وما ذاك؟!))، قال: نكونُ عندك فتذكرنا وتعِظنا، فتذرف الدموعُ، وتخشع القلوب، فإذا انقلبْنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهلَ، نسينا ذلك كلَّه، فقال – صلى الله عليه وسلم -: ((ساعة وساعة يا حنظلة! واللهِ لو دُمتم على ما تكونون عليه عندي، لصافَحتْكم الملائكةُ في الطُّرق، ولزارتكم في البيوت)) نعم، ساعة فساعة! وأي ساعة أجلُّ وأعظم وأعلى من ساعة يقضونها مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم؟!

أنس بن مالك – رضي الله عنه -: والله لقد أنكرنا قلوبَنا بعد وفاةِ النبي – صلى الله عليه وسلم – ولمّا ندفنه بعدُ.

هكذا يبيَّن لنا العِرباض – رضي الله تعالى عنه – أثر الموعظة البليغَة من النبي – صلى الله عليه وسلم – على أصحابه، والواجبُ على المسلم حقًّا أن يجعل لنفسه ساعة يخلو فيها بربه، ويخلو مع نفسه، كما جاء عن أمير المؤمنين عمر – رضي الله تعالى عنه – أنه قال لبعض أصحابه: “اجلس بنا نُؤمنْ ساعة”، أليسوا مؤمنين؟! بَلى، ولكن ليزدادوا من الإيمان، ويجددوا اليقين بما يتذاكرون من آيات الله، فحبَّذا لو يجعل الفردُ لنفسه ساعةً من الليل حينما تنام العيونُ، ويغفل الناسُ، فيتآنس مع ربه في ذكره لآياته، وشكره لآلائِه، فوالله ثُم والله! إنها لأسعدُ لحظاتٍ في حياة الإنسان، وحينما يجدُ اللَّذَّة والحلاوة في تلك المناجاة الكريمة، يَنسى الدنيا بما فيها” اهـ.

سبحان ربي! لخَّص فيها كل ما تحدَّثنا به، ثم في النهاية وضع لنا العلاج، نريد أن نقرأ تلك الكلمات بقلوبنا، ونُعلمها أننا أعلنَّا عليها الحرب، وبإذن الله سنعيش لنحِب اللهَ.

وتذكري أننا كلنا مقصِّرون، ولن نصل إلى منالنا إن لم نطرُق الباب.

يجب علينا أن نرتقي بحال قلوبنا، وسيكون ملاذُنا هو الله سبحانه، وبإذنه تعالى سنرى الخير كلَّه!

فهو يَعلم بحالنا وما في قلوبنا، وبكرمه لن يضيِّعَنا، وسنداوم الطَّرْق حتى يفتح لنا أبواب الخشوع والخضوع والذلِّ له سبحانه.

ففقْرُنا ظاهر له سبحانه ولا يخفى عليه، فقط علينا أن نعترف به، فادخلي له من باب الذل والحاجة؛ فهو باب واسع.

هي: حسنًا؛ هناك مشكلة، وأشعر أنَّ لها عاملاً كبيرًا فيما آلت إليه حالي، ألا وهو الرياء!

كنتُ دائمًا أظنُّ للرياء صورةً واحدة (حب المباهاة والاستماع للمدح)، لكني اكتشفت أنَّ له صورًا عديدةً وخبايَا كثيرةً، وكلَّما حاولتُ التخلُّص من صورة، نَبَت عليَّ غيرُها.

المعلمة: لذلك بدأنا بحبِّ الله، وسنتطرق للرِّياء فيما بعد.
واعلمي جيِّدًا أنه بما أن الرِّياء قد طرَق محيطَ فكرِكِ؛ فبعون الله ستكونين حريصةً منه فلا تخافيه، وبإذن الله نتكلم عنه في مرَّة أخرى، نسأل الله السلامة والمعافاة.

فإصلاح القلبِ هو مَناط الأمر كلِّه؛ لذلك نحاول اليوم فقط الاهتمام بأوَّل نقطةٍ والعمل عليها.

وأمرُ الرياء يَلزمنا فيه جلبُ أقوال العلماء وتوضيحاتهم ليطمئنَّ قلبكِ، فلا تهابي، واطلبي العونَ والسداد والتوفيق من الله!

انتهى هاهنا كلام المعلمة، لكن الكلام عن القلوب لم يَنْتَهِ بعدُ؛ لعدم اتِّساع المَقام للاستفاضة أكثر هنا.

———

إضاءة:
تقول إحدى الدَّاعيات (بتصرف يسير):
“المشكلة أني أَبحث عن حقِّي أوَّلاً، ولا أنظر إلى حق الله عليَّ، كلُّنا نقوم في الصَّباح ونقول: أنا لي كذا ولي كذا، لا أحد يقول: عليَّ طاعة كذا، وعليَّ قرآن كذا، وعليَّ استغفار كذا، وعلي صلاة على رسول الله كذا…!! إلاَّ من رحمَ ربِّي.

إذا كنتِ أنت حقًّا تَستحيين مِن الله لجلاله وعظيم سلطانه، ستسألين نَفسك عند استيقاظك مِن نومك عن حقِّ الله عليكِ، فتجدين نفسك لا تستهين، بل تُكثرين من الأعمال، ويرجو قلبك رحمةَ الله وعفوه وقبول العمل.

لا تجعلي حق الله على الفضْلَة؛ أي: يقدم حق المخلوق على حق الله تعالى!

إياكِ أن تُعطي الله فضْلَة وقتكِ، لا تعطي الله فضْلة مالك، لا تعطي الله فضْلة ذِكرك، إنَّ الله طيِّبٌ لا يَقبل إلا طيِّبًا.

لا تجعلي أولوياتك في إيصال الأولاد إلى المدرسة، وتنظيف البيت، وبعد البيت المطبخ، وبعد المَطبخ المُذاكرة، وبعد المذاكرة سَتجدين نفسَك مُنهكَة! وسَتقولين لنفسك: ياه! لم يبقَ من الوقت سِوى نِصف ساعة، وستجدين نفسك تقرئين في المُصحف وأنت لا تفهمين ما تقرئينه!

لا تُقدِّمي حقَّ المخلوق على حق الله تعالى، اللهُ هو الأول والآخر والظَّاهر والباطن” اهـ.

♦ ♦ ♦

فكرة الموضوع مقتبسة من حوار حقيقي مع التصرف والحذف والإضافات.

♦ ♦ ♦

المراجع:
تفريغات محاضرات “سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة” للشيخ المغامسي.
تفريغات محاضرات “شرح الأربعين النووية” للشيخ عطية محمد سالم.

Advertisements