السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إلى الشيخ عبد السلام – حفظه الله

عندي اشكالية فيما يخص اخلاص العمل لله وتعدد النوايا في بعض الأعمال
ما أعلمه هو أن هناك أشياء يمكن تعدد النوايا فيها وأشياء أخرى لا يمكن تعدد النوايا فيها لأنه المفترض أن يكون العمل خالصا لله أي تكون نيتنا لله فقط
مثلا عند دخول المسجد في فترة الضحى، ممكن نصلي ركعتين بنية: تحية المسجد والضحى والاستخارة
في الحج قال بعض العلماء انه يمكن الذهاب بنية الحج والتجارة
استدلالا بالآية قال تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)
فأصبح سفره بنيتين، السفر بنية الحج والسفر بنية التجارة
الصدقة يمكن تعدد النوايا فيها
مثال قول الرسول: داووا مرضاكم بالصدقات
فيه حث على التصدق بنية شفاء المريض
وهناك الصدقة لوجه الله
هذا كله تعتبر الأدلة فيها حث على ابتداء العمل بنوايا متعددة
وهناك أشياء مثل الأكل والشرب والنوم والزواج، يمكن تعدد النوايا فيها

طيب هناك أمور لم يحثنا الشرع على البدء فيها بعدة نوايا لكن أخبرنا ان من يقوم بها سيناله بعد ذلك من الأجر كذا وكذا
مثل القرآن النية الأساسية في حفظه أن يكون خالصا لوجه الله
ومن حفظه وقرأه له من الأجر الكثير مثل ان يأتي شفيعا له يوم القيامة، وان يلبس والديه تاج الوقار وغيره

هذه الأجور دلنا عليه الشرع ليدلنا على أهمية القرآن ويحثنا على التعلق والارتباط به
لكن هل معنى ذلك اننا حين نقرأ القرآن ابتداءا نضع نوايا متعددة ونقول أننا سنقرأ وسنحفظ القرآن لننال كل تلك الأجور
أم نقرأه ونحفظه ابتغاء وجه الله فقط مع اليقين بأن الله سيعطينا تلك الأجور بدون أن ننويها ونحاول جمع أكبر عدد من النوايا لننال اكبر قدر من الأجور؟؟

طيب لو كان الأولى هو الجمع بين النوايا للحصول على أعلى أجر في تلاوة وحفظ القرآن، فكيف بنا نحقق الإخلاص لله هنا؟؟
فمعروف عن الانسان انه عند وجود المكافآت والأجور، لا شعوريا يصبح عمله لنيل تلك الأجور بدلا من أن يكون حفظه لله فقط
فكيف هو السبيل لتحقيق الإخلاص في النية هنا

وكيف نعلم متى يجوز تعدد النوايا ومتى لا يجوز؟
أقصد هل هناك قاعدة عامة للأمر سواء كانت الاعمال هي عبادات او عادات او مباحات او غيره لنعرف متى يجوز تعدد النوايا ام لا

بارك الله فيكم

 

جواب الشيخ عبد السلام الحصين:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
فإن النية في الأعمال التي يعملها الناس على نوعين:
النوع الأول: نية مميزة بين الأفعال المتشابهة في الظاهر، وذلك حين يكون الفعل ملتبسًا مع غيره في صورته، فيحتاج إلى نية لتحديد نوعه، وهذه النية أكثر ما تكون في العبادات،

فالذي يصلي سنة الفجر، وفرض الفجر، لا بد من نية مميزة بين الركعتين الأوليين، والأخريين،

وكذا العصر والظهر، صورتهما واحدة، فلا بد من نية مميزة،

وكذا سنة الضحى، وتحية المسجد، والسنة الراتبة، صورتها واحدة، فلا بد من نية مميزة،

وهذه الأفعال على نوعين:

الأول: ما لا يقبل التداخل، بل لا بد أن يفعل كل واحد منها على حدة، مثل فرضي الظهر والعصر، وسنة الفجر وفرض الظهر،

والثاني: ما يقبل التداخل، وهو أن يكون كلاهما سنة، ويمكن فعلهما في وقت واحد، أو يكون أحدهما فرضا، والآخر نفلا، ويمكن أن يدخل النفل في الفرض،

ومثال الأول: ركعتي الضحى، وصلاة الاستخارة، وتحية المسجد، فيمكن أن تتداخل هذه الصلوات بفعل واحد، وإن تعددت نوايها، فيكون قد دخل المسجد الساعة التاسعة صباحًا، ويريد أن يجلس، فينوي بالركعتين: تحية المسجد، وينوي أن تكون ركعتي الضحى، وينوي أن يستخير فيهما، فيحصل له ذلك كله؛ لأن الأفعال التي تتحد صفاتها، ويمكن أن ينوب بعضها عن بعض يجوز تداخلها،

ومثال الثاني: من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يصلي، ويجوز أن يجلس بعد ذلك؛ لأن المقصود من تحية المسجد ألا يجلس فيه حتى يصلي، سواء كان ما صلاه فرضًا أو نفلا.
النوع الثاني: نية التقرب بالفعل، أي ما مراده من هذا الفعل وما مقصوده،

والأعمال هنا على نوعين:
النوع الأول: ما لا يصح إلا بنية التقرب إلى الله، وهو العبادات المحضة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وقراءة القرآن. فهذه الأعمال لا تقبل ولا يثاب عليها إلا أن ينوي بها وجه الله تبارك وتعالى.
النوع الثاني: ما يصح ويقبل بدون نية التقرب إلى الله تبارك وتعالى، مثل أداء الحقوق، وبر الوالدين، ونفقة الزوجات، والأقارب، والأكل والشرب واللباس والنوم، فهذه الأفعال إن نوى فيها التقرب إلى الله أثيب، وإن لم ينو لم يثب، ولكنها تكون صحيحة ومقبولة.

ثم كل مقصد أساسي من الفعل، قد تكون معه مقاصد أخرى تابعة، وهي على نوعين:
النوع الأول: مقاصد مقوية للفعل ومثبتة له، والفعل قد وضع لكي يكون موصلا إليها، ومحققًا لها، فهذه النوايا تعددها مما يثبت الفعل ويقويه، ولا يؤثر على قبوله، ولا على الإخلاص.
ومن هذا النوع:

أن يتصدق بقصد التقرب إلى الله وشفاء المريض،

وأن يقرأ القرآن بقصد التقرب إلى الله والاستمتاع بالصوت الحسن، أو ببلاغة القرآن وفصاحته، أو بقصد تثبيت حفظه، أو لكي يحقق بقراءته التفوق في دراسته، أو الحصول على المركز الأول،

فهذه المقاصد التابعة معينة ومثبتة للمقصد الأساسي، بشرط أن تكون تابعة، غير متبوعة،

فمثلا: لو قيل له: ليس هناك جائزة، لترك قراءة القرآن بالكلية، ولم يتعلمه مطلقًا، فهذا مقصوده بالقراءة غير وجه الله، ولكن إن كان له رغبة في التعلم، وحب لقراءة القرآن، وجعل الحصول على الجائزة وسيلة لتحقيق هذا المقصد، فهذا محمود وحسن.
وكذا من قرأ القرآن: من أجل أن يرتقي به يوم القيامة، وأن يفوز والداه بتاج الوقار، ونحو ذلك من الأجور التي وعد عليها من قرأ القرآن، فإن هذه المقاصد لا تضر، بل هي معينة على تحقيق المقصد الأساس، وهو وجه الله تبارك وتعالى.
ومن هذا الباب: من سافر إلى الحج، طاعة لله ، ولكي يتاجر، ومن صام طاعة لله، ولكي يحتمي بالصوم عن بعض الأمراض، فهذه النوايا لا تضر؛ لأنها تابعة للمقصد الأساسي ومقوية له.

النوع الثاني: مقاصد مضعفة للفعل، وصارفة له عن الإخلاص، وهي التي لا يكون الفعل في الأساس قد وضع لتحقيقها وللوصول إليها، و لكنها قد تقع عرضًا من غير قصد، مثل من قرأ القرآن لكي يعجب الناس بصوته، ويثنون عليه، ومن تعلم العلم لكي يمدحه الناس على ذلك، ومن يلقي محاضرة لكي يعجب الناس به ويتأثرون، ومن يتصدق لكي يثنى عليه بالكرم.

فهذه المقاصد: النظر إليها، والبحث عنها من أمراض القلوب، وتصرف القلب عن الإخلاص لله، فإذا كانت باعثة على الفعل ومانعة منه، فهي شرك أصغر، وصاحبها لا خلاق له عند ربه تبارك وتعالى،

مثل من لا يلقي درسًا حتى يمدح ويثنى عليه، وإذا توقف الثناء توقف عمله.

وأما إن كانت عارضة، ولكن القلب يلاحظها، فهي مرض ينبغي علاجه، ومجاهدة النفس في طرده، وعدم الالتفات إليه.

والله الموفق والهادي

هذا ما تيسر كتابته على عجل، فعسى أن يكون كافيًا وشافيًا.
والله أعلم

Advertisements