الدرس الأول: مقدمة عامة + باب النية وأحكامها

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «الـحَيَاءُ وَالإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ» .
وقال «الـحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ».

 ونحن نعلم جيدًا أن الصحابيات هن أكثر النساء حياءا لكن هل يا تُرى منعهن حياؤهن من التفقه في الدين والسؤال عما اُستشكل عليهن؟
بالطبع لا

فعن أم المؤمنين عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا قالت: نِعمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنصَارِ، لَم يَكُن يَمنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَن يَتَفَقَّهنَ فِي الدِّين

وهناك أيضا الحديث المشهور عن عائشة : أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن غسل الحيض فأمرها أن تغتسل بماء وسدر، وتأخذ فرصة (قطعة من الصوف او القطن) فتوضأ بها ، وتطهر بها ، قالت : كيف أتطهر بها ؟ ، قال : « تطهري بها » ، قالت : كيف أتطهر بها ؟ فاستتر النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقال : « سبحان الله اطهري بها » ، قالت عائشة : فاجتذبت المرأة وقلت : تتبعين بها أثر الدم

 ومن هذه الأحاديث وغيرها الكثير ندرك حرص الصحابيات على التفقه في أمور دينهن، خصوصا فيما يتعلق بالأحكام اليومية والتي تحتاجها كل مسلمة وتعتبر فرض عين عليها

 فالفرض ينقسم الى :

فرض عين وفرض كفاية

فرض كفاية: لو قام به البعض كان كافيا ولم يكن هناك حاجة ان يقوم به الباقيين، لكن لو لم يقم به أي أحد لكانوا جميعا آثمين

أما فرض العين: فهو واجب على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء ومن تركه فهو آثم
فالوضوء هو فرض عين، ينبغي على كل مسلم معرفة أركانه وكيفيته
والصلاة فرض عين ينبغي على كل مسلم معرفة أركانه وشروطه وكيفيته
وكذلك الصيام فرض عين ينبغي على كل مسلم القيام به الا من كان له عذر شرعي
وغيرها من الأحكام والتي ينبغي لنا جميعا معرفتها

ومع تأمل اهتمام الصحابيات بالتفقه في الدين والمسارعة في السؤال عما استشكل عليهن
نجد في المقابل ان حال كثير من نساؤنا اليوم عكس ذلك تماما والله المستعان
فتجدي الكثير من الأخوات لا تعلم أحكام الطهارة والصلاة، إما لجهلها أو استحياؤها من السؤال

ومن هذا المنطلق كان اختياري لهذه السلسلة من الدروس والتي ستكون عن الطهارة والصلاة بعون الله
وسأحرص بقدر المستطاع على أن تكون المعلومة قصيرة ومبسطة بما لا يخل بها
وستكون مدة الدرس حوالي ربع ساعة أو أكثر قليلا حتى لا تكثر المعلومات مما يسبب الملل والنفور
وسأعتمد بشكل أساسي على شرح الشيخ سعد الشثري لمتن عمدة الأحكام ولن أزيد عليه إلا إذا استدعت الضرورة لذلك

والان نبدأ مع نبذة عن الكتاب ومؤلفه وشارحه

ويعتبر عمدة الأحكام من الكتب المهمة التي يستطيع المسلم من خلالها أن يلم بمعظم الأحكام الفقهية بأدلتها الصحيحة المتفق عليها
فمؤلفها الحافظ عبد الغني المقدسي – رحمه الله – قد جمع فيها أحاديث الأحكام من الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم

 وقد عُرف الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله أنه كان غزير الحفظ، من أهل الاتقان والتجويد
عالما بفنون الحديث وقوانينه وأصوله وعلله وصحيحه وسقيمه وناسخه ومنسوخه وغريبه ومعانيه وضبط أسماء رواته وغيرها
وكان كذلك كثير العبادة، وَرِعًا متمسكا بالسنة على طريقة السلف

 اما الشيخ سعد الشثري الذي سنتدارس سويا شرحه للكتاب وفوائده التي استخلصها منه
فقد كان عضوا بهيئة كبار العلماء بالمملكة سابقا وكان منذ صغره مهتمًا بطلب العلم الشرعي والتوجه له، واستمر على ذلك إلى أن أتم دراسته الجامعية في كلية الشريعة بالرياض ، ثم اختير معيدا فيها ثم درس الماجيستير
وقد حصل على العديد من الإجازات العلمية في رواية كتب السنة
كما حصل على تزكيات علمية من العديد من العلماء كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين ، والشيخ عبد العزيز الراجحي ، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، والشيخ صالح الفوزان ، والشيخ عبد الله البراك وغيرهم .

 بالنسبة لدراستنا بعون الله

كما ذكرت ستكون السلسلة هي تبسيط لـ شرح كتاب عمدة الأحكام للشيخ سعد الشثري
بحيث سأقوم بقراءة الحديث ثم شرح معاني بعض الكلمات
ثم تبسيط الأحكام والفوائد التي ذكرها الشيخ سعد حفظه الله في شرحه

وأذكركن يا حبيبات أنني مجرد طالبة علم ولستُ أهلا للفتوى
ويعلم ربي أن وجودي بينكن اليوم هو حتى لا أكون آثمة على عدم تبليغ ما تعلمته لغيري مع حاجة الأخوات إليه

————————

والآن نبدء بعون الله الدرس الأول

كتاب الطهارة باب النية

 عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله يقول : (( إنما الأعمال بالنيات – وفي رواية : بالنية – وإنما لكل امرئ ما نوى , فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله , فهجرته إلى الله ورسوله , ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها , فهجرته إلى ما هاجر إليه )) .

قوله صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات”:

الأعمال تنقسم إلى نوعين:

  • أعمال بدنية مثل الأقوال والأفعال
  • أعمال قلبية مثل الخشية والإنابة والتضرع

فهنا حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات، كان المقصود أن صحة العمل من الناحية الشرعية تكون بالنية
وبالتالي العمل الذي ليس له نية فإنه لا يكون صحيحا *شرعا*

طيب ما المقصود بالنية: المقصود هو عزم القلب، مثال: ان تعزمي في قلبك على صلاة ركعتين تطوعا لله، فهنا كانت نيتك أنك تطوعت لله بركعتين

 قوله “وإنما لكل امرئ ما نوى”:

أي أنه سيكون لكِ من الأجر أو الثواب بقدر نيتك
فإذا نويت القيام بالعمل من أجل شيء في الدنيا، سوف تحصلي على أجر دنيوي
لكن لو نويت القيام بالعمل من أجل أن تحصلي على أجر في الآخرة، فإن الله سيعطيك الأجر في الآخرة وسيعطيكِ بكرمه أجر دنيوي أيضا
لذلك ينبغي أن ننوي الأجر الأخروي ووجه الله عز وجل، فإن حصلنا شيء من أمور الدنيا في الدنيا فإنها تحصل تباعا وبدون نية

قوله “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله”:

أي من نوى بهجرته الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام لوجه الله وإتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم فهجرته حينئذ مقبولة عند الله ويثاب عليها
أما من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إمرأة يتزوجها، ولم ينو إلا الدنيا فلن ينال أجر في الآخرة
فإن حصل على المرأة أو المال أو غيره من أمور الدنيا فهذا ما نواه، وإن لم يحصل على شيء فلن يكون له ثواب بالآخرة

إذن نستفيد من هذا الحديث:

  • أن جميع الأعمال لا تُعتبر *شرعا* ولا تصح *شرعا* إلا بنية ومن جملة ذلك الطهارة
  • الحث على الإخلاص، والترغيب في إخلاص النية وقصد الثواب الأخروي
  • الأفعال المتقرب بها إلى الله لابد فيها من النية، فلو صلى الإنسان ولم ينو بصلاته الأجر الأخروي فإنه لا يثاب ثوابا أخرويا.

 الآن نحتاج لبعض الأمثلة لمزيد من التوضيح

فكثيرا ما نقوم بأعمال وتضيع منا الأجور
فكم مرة شربنا وأكلنا ونمنا بدون نية
كم مرة تلطفنا في الكلام وابتسمنا في وجه من نتحدث بدون نية
وكم مرة وجهنا أولادنا وربيناهم على الأخلاق وحب الشرع بدون نية
وكم مرة قمنا ببر والدينا وأحسنا إلى أزواجنا بدون نية
والنتيجة أن أعمالنا صارت هباءا منثورا وليس لها أي ثواب أو أجر بالآخرة والله المستعان

وقد نقلت لكن بعض الأعمال والنوايا التي يمكن احتسابها بتصرف يسير من محاضرة للشيخ محمد المنجد بعنوان “حكم العبادة بنية دنيوية”

  • فمثلا إذا اشترى الرجل طعاماً لأهله من البقالة لا ينوي شيئاً فلن يحصل على أي أجر، اما لو نوى احتساب تلك النفقة لله فسيؤجر عليه بإذن الله.
  • ومن يصوم لتخفيف الوزن ، فسينقص وزنه ويحصل على ما نواه لكنه لن يحصل على أي أجر في الآخرة، أما من يرغب في أجر الآخرة فسيصوم تقربا لله ولثواب الآخرة ولدخول الجنة من باب الريان وكذلك احتسابا للأجر الذي وعدنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (من صام يوماً في سبيل الله بعّد الله وجه عن النار سبعين خريفاً)،
  • وكذلك من يستعمل السواك لأجل التخلص من الجراثيم بالفم فلن يحصل على أجر بالآخرة، ومن يريد الاجر في الآخرة فليتسوك بنية تطهير الفم وإرضاء الله عز وجل كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب
  • وكذلك قراءة القرآن فلو تمت قراءته محتسبة أن لكل حرف حسنة والحسنة بعشرة أمثالها، لحصلنا على أجر االأخروي، لكن من يقرأ بنية الزواج وغيره فلن يحصل على أي أجر من قرائته للقرآن
  • وكذلك من يتصدق بنية الشفاء من المرض فلن يحصل على أي أجر بالآخرة رغم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (داووا مرضاكم بالصدقة) لأنهم للأسف لم ينووا الصدقة لله بل نووها لمقصد دنيوي، فتذكروا الدنيا ونسوا الآخرة حينما تصدقوا.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن

متى يمكننا أن نجمع بين النوايا بحيث تكون نية للدنيا ونية للآخرة؟ وهل يصلح جمع النوايا في جميع الأعمال أم أن هذا مقتصر على أعمال معينة؟
للإجابة عن السؤال، أنصحكم وبشدة أن تقرأوا الفتوى التالية للشيخ عبد السلام الحصين

https://amatulrahmaan.wordpress.com/2014/03/02/13-4/

الواجب المطلوب منكن

هو المحاولة قدر المستطاع أن لا تقمن بأي عمل مهما كان صغير إلا بعد أن تنوا به الحصول على أجر في الآخرة، سيكون الأمر شاقا في البداية لكن مع الاصرار وكثرة المحاولة سيصبح الأمر يسيرا بعون الله.

 وبهذا انتهى درس اليوم

 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك

 

Advertisements