رفقا بعقيدتي يا أمي ( مقدمة )
(دليل إرشادي لتعليم طفلك الإيمان في المراحل العمرية المختلفة)

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يَهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

مشاهد واقعية من حياتنا اليومية:

ذهبت عائشةُ إلى العمل، وقابلت زميلتها النصرانية التي صارت تسألها عن الإسلام مؤخَّرًا، وكان من ضمن الحوار هذه المرة: إذًا عيسى ليس ابن الله؟

فأجابت هناء: نعم، ليس ابن الله.

يقول الله تعالى في كتابه المحكَم: ﴿ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: 68].

•••••

أتى محمدٌ ذو السنوات الست من المدرسة، ثم سأل أمَّه ضاحكًا: هل يصلُحُ أن نقول: إن اللهَ ثلاثة وليس واحدًا؟

فزِعت الأمُّ وصرخت فيه قائلة: أعوذ بالله، هل كفرتَ؟ من أين أتيتَ بتلك الأفكار؟

ففزِع الولد وصمت.

فقالت الأم: اذهَبْ من أمامي الآن.

وجلسَتْ تفكر في ما حدث، ومَن قد يكون سببًا في كلام ابنها هذا.

•••••

ذهَب عبدالله ذو الأعوام الأربعة لأمِّه وهي تحضّر الطعام وقال: أمي، هل اللهُ هو مَن خلَق كل شيء في الدنيا؟

الأم: نَعم يا حبيبي، هو مَن خلق كلَّ شيء.

عبدالله: حسَنًا، ومَن خلق الله؟

الأم: قبل أن أجيبك، أريدك أن تستعيذَ بالله مِن الشيطان الرجيم؛ فقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي الشيطانُ أحدَكم، فيقول: مَن خلَق كذا؟ حتى يقول: مَن خلَق ربَّك؟ فإذا بلَغه، فليستعِذْ بالله، ولينتَهِ))[1].

عبدالله: أعوذ باللهِ من الشيطانِ الرجيم.

الأم: أحسنتَ يا بني، الآن، هلاَّ تلوتَ على مسامعي سورةَ الإخلاص؟

عبدالله: بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 – 4].

الأم: بارَك اللهُ فيك يا قرةَ عيني، إذًا نتعلمُ مِن سورة الإخلاص أن اللهَ هو الواحدُ الصمد، الذي لم يلِدْ أطفالاً، ولم يخلُقْه أو يُنجِبْه أحد.

بل الله هو الأوَّل وليس قبله شيءٌ، وهو الآخِر وليس بعده شيءٌ.

والمُؤمن لا بد له أن يؤمِنَ بذلك، ولا يترك للشيطان وسيلة لتجعَلَه يفكِّرُ فيمن خلَق الله.

فالشيطانُ يُريدنا أن نكفُرَ مِثله، ونظن أن هناك مَن خلَق الله حتى ندخل النارَ – والعياذُ بالله.

لذلك ينبغي عليك يا حبيبي ألا تستمعَ للشيطان، بل كلَّما راودَتْك فكرةٌ كهذه، فاستعِذْ بالله من الشيطان الرَّجيم فورًا.

•••••

تمرُّ بنا في حياتنا اليومية الكثيرُ من المواقف مع أولادنا.

وتختلف ردودُ أفعالِنا على حسَب نظرتنا للموقف وقدرتنا على التعامل معه.

فالمواقف السابقة يدور الحوارُ فيها عن الذاتِ الإلهية، ومع ذلك اختلفت ردودُ الأفعال.

ففي الموقف الأوَّلِ تعاطفت هناءُ مع زميلتِها؛ كونَها تبحثُ عن الدِّين الحق، فأجابتها بصدرٍ رحبٍ ورِفق.

وفي الموقف الثاني، غلَب على الأمِّ خوفُها على ابنها من تلك الأفكارِ، ونسيَتْ أن ذلك الطفلَ البريء ما هو إلا مستكشفٌ لهذا الكونِ، وباحثٌ عن خالقه، فكانت النتيجةُ هي إخافةَ الطفل بدلاً من احتوائِه.

وفي الموقفِ الثالث، أحسنتِ الأمُّ التصرُّفَ، وفعَلَتْ ما ينبغي على كلِّ أمٍّ القيامُ به من التبيين والتوضيح والتوجيه؛ لأنها فهِمَتْ معنى حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ((ما من مولود إلا يولَدُ على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاءَ، هل تُحسُّون فيها مِن جدعاء؟))[2].

يقول ابنُ قيِّم الجوزية – رحمه الله – تعقيبًا على هذا الحديث: “المراد أن كلَّ مولود فإنه يولدُ على محبَّتِه لفاطره، وإقرارِه بربوبيَّتِه، وإذعانه له بالعبودية، فلو خُلِّي وعدم المُعارِضِ لم يعدِلْ عن ذلك إلى غيره”[3].

أي إن أطفالنا – فِلذاتِ أكبادنا – خلَقهم اللهُ على فطرة تقبلُ العقيدة الصحيحة؛ فإن غرَسْناها فيهم، صاروا مسلِمين موحِّدين مؤمنين بالله عز وجل، وإن أسَأْنا التربيةَ أو تركناهم للغير ليُربُّوهم ويغرِسوا عقيدتهم فيهم، فقد ينشَؤون يهودًا أو نصارى أو مجوسًا، وما ذلك إلا لتفريطِنا في تربيتِهم على التوحيدِ.

وقد علَّق ابن تيمية – رحمه الله – على قولِ النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: ((كما تنتجُ البهيمة بهيمةً جمعاءَ، هل تُحسُّون فيها من جدعاءَ؟))، فقال: “إن البهيمةَ تولد سليمةً، ثم يجدَعُها الناس، وذلك بقضاءِ الله وقدره، فكذلك المولود يولَدُ على الفطرة سليمًا، ثم يُفسِدُه أبواه؛ وذلك أيضًا بقضاءِ الله وقدَرِه”[4].

لذلك وجَب علينا الاهتمامُ بتربية فِلْذات أكبادنا على الإيمانِ، بدلاً من الانتظار حتى يكبَروا، ثم المعاناة في تغيير معتقداتهم فيما بعد.

كيف تزرعين الإيمانَ في قلب طفلِكِ؟

حتى نزرَعَ الإيمانَ في قلوب فِلْذات أكبادِنا؛ لا بد أن نكونَ نحن ذَوِي عقيدةٍ سليمة وإيمان، فنربِّيهم على توحيدِ الله والإيمان به، بأفعالنا قبل أقوالنا، فتنمو قلوبُهم طاهرةً نقية مشبعة بحبِّ الله ورسوله، متَّبِعة لأوامره، ومجتنبة لنواهيه.

وهنا سأحاول وَضْعَ إرشاداتٍ لكلِّ مرحلة عمرية؛ لتكون دليلاً عامًّا لكيفية غرس العقيدة وغرس الإيمان، ولكل أمٍّ أن تزيدَ عليها بما يتناسب معها ومع أولادها، وقد راعيتُ التدرُّجَ في المنهجِ، فبدأتُه بتعويدهم على ذِكر الله في كل وقت، ثم مساعدتهم فيما بعد في تحويل تلك العاداتِ إلى عباداتٍ، من خلال تعليمِهم العقيدةَ والتوحيد والقرآن وغيره من العلوم الشرعية التي ينبغي على كل مسلمٍ معرفتُها.

ينقسم الدليلُ إلى خمس مراحل:

1- مرحلة ما قبل الحملِ والولادة.

2- مرحلة العامَيْن الأولين.

3- مرحلة الطفولة (من سنتين إلى 6 سنوات).

4- مرحلة دخول المدرسة (من 6 سنوات فيما فوق).

5- كتب لغرسِ الإيمان بالأطفال.

يتبع بعون الله

مدونة الروح والريحان
لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت

[1] رواه البخاري ومسلم.

[2] رواه البخاريُّ.

[3] شفاء العليل لابن قيِّم الجوزية.

[4] درء التعارض لابن تيمية

Advertisements