سؤال: ناقشتني أختي منذ فترة أنه جائز أن يكون لها أصدقاء أولاد، حاولت أن أقنعها أن هذا لا ينبغي؛ لعدة أسباب، وأن طبيعة البنات مختلفة عن الأولاد، ولا يصلح أن يكونوا أصدقاء، غير أنه حرام، لكن لم تقتنع، وهى كانت تناقشني كي تأخذَ إذنًا ليكلموها بدون حرج أمامي، من غير ان تشعر أنها تفعل شيئًا خطأ، لكن – طبعًا – لم أوافق، ثم أوشكت أن تفعل هذا، وتكلمهم دون علمي، وهؤلاء إخوة صاحباتها، أو جيراننا، كيف أقنعها – عقليًّا – أنه لا توجد صداقة بين ولد وبنت؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].

وروي عن أنس بن مالك أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: ((يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك)) فقلت: يا نبي الله، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء)).[1]

 

من هذا نُدرك أن الهداية بيد الله عز وجل، وأننا ليس علينا سوى البلاغ والإلحاح في الدعاء أن ينير الله بصيرة من ندعوهم، مع الصبر والاستمرار في المحاولة، وتنويع الأساليب بين الترهيب والترغيب، والتبيين، بالإضافة إلى ذكر قصص واقعية لأُناس تعرفونهم، سواء كانوا أقاربَ أو جيرانًا، أو البحث على شبكة الإنترنت لمقاطع من برامج تحكي فيها الفتيات قصصهن مع مصادقة الأولاد، وما ترتب على ذلك من مفاسد.

 

فالإنسان بطبيعته لا يحب النصائح المباشرة، وأفضل طريقة للتعلُّم تكون من خلال معرفة تجارب الغير، والاستماع إلى قصصهم.

 

واعلمي – حفظك الله – أن ما تقولينه سيُغرس في عقلها – حتى لو رفضه هواها – وأن كلماتك ستظل تتردَّد في ذهنها مرارًا وتَكرارًا حتى يأذن الله بإنارة بصيرتها.

 

ورغم أهمية الإقناع بالعقل في زمننا هذا، فإن الأهم منه هو تعليم أختك كيفية استشعار مراقبة الله عز وجل؛ ليكون رادعًا لها عن الحرام في غيابك عنها، ويكون رادعًا لها عن اتباع هواها؛ كون الفتاة بطبيعتها تميل للجنس الآخر في فترة المراهقة، وهوى من حولها؛ كون المجتمع أصبح يشجِّع على الاختلاط والصداقة بين الجنسين.

 

ولن يتم ذلك إلا إذا تقربت لله عز وجل عن حب وفهم، ومن أسهل الوسائل في التقرب لله عز وجل والبعد عن الفحشاء والمنكر: تلاوة القرآن، والالتزام بالصلاة؛ يقول الله تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45] فاعتني جيدًا بتقريبها لله عز وجل، واستشعارها لعظمته؛ حتى تبتعد عمَّا نهى عنه، وتقترب مما حثَّ عليه.

 

أما الطرق العقلية: فيمكنك ببساطة سؤالها عن حالها حينما تتعرف على فتاة لأول مرة، وترغب في اتخاذها كصديقة، هل تبقى مشاعرها محدودة تجاهها أم أنها تجد نفسها دومًا في رغبة للتقرب منها أكثر وأكثر؛ من أجل التعرف عليها واكتشافها، ومع مرور الوقت تبدأ تتعمق مشاعرها؟

 

فهذا بالضبط ما سيحدث مع الأولاد وأكثر منه؛ لأن مشاعر الفتاة مع الفتاة ستأتي في مرحلة وتتوقف عن التزايد، أما مشاعرها مع الأولاد فلن تتوقف، بل ستنمو وتزداد في النمو حتى تتحول لإعجاب، ثم حب، ثم ما هو أكثر من ذلك، والذي – حتمًا – سيؤدي إلى ما لا تُحمَدُ عُقباه.

 

أريدك أن تسأليها، وتطلبي منها أن تجيبَك بصراحة، أو اتركيها تجيب نفسها بصدق:

ألم يَحدُثْ يومًا أن شعرتْ بأنها تتمنى أن يُعجَب بها هؤلاء الأولاد أكثر من إعجابهم بصديقتها؟

ألم يحدث يومًا أن وجدتْ نفسها لا شعوريًّا تتجمَّل في تصرفاتها وكلامها ومظهرها لتنال إعجابهم؟

ألم يحدث يومًا أن وجدت نفسها تستحي، ويحمَرُّ وجهُها حينما بدأت تتكلم معهم لأول مرة، ثم مع مرور الوقت بدأ حياؤها يقلُّ تدريجيًّا؟

ألم يحدث أنها بعد أن تتركهم، تظَلُّ تفكر في كلمات أصدقائها الأولاد، وثنائهم على شيء يخصُّها، أو نظرتهم لشيء تملكه، وتكون سعيدةً بتلك النظرات والكلمات؟

والآن نعود لصديقاتها، هل تشعر بنفس الأحاسيس مع صديقاتها الفتيات؟

 

بالطبع لا؛ لأن ما يحدث بينها وبين الأولاد ليست صداقة؛ بل هو أعمق من ذلك بكثير، والشيطان يجمِّله ويزينه لها؛ حتى لا تشعر بفداحة وخطأ تصرفها.

 

أيضًا معروف أن جمال الفتيات يتمثَّل في حيائها ورقَّتها وبساطتها، في حين جمالُ الولد يتمثَّل في حزمه وقوته، فحينما تختلط الفتيات بالأولاد، فإنها تفقِدُ جمالَها رويدًا رويدًا، وأول ما تفقِدُه هو حياؤها، وتبدأ – لا شعوريًّا – إما باكتساب بعض صفات الأولاد وحركاتهم وطريقة كلامهم، وربما تجد نفسها تقلِّدهم في اللبس عن طريق البدء في لبس البناطيل، والتخلِّي عن لبس التنُّورات، وإما قد تتوجه إلى المبالغة في الاهتمام بإبراز أنوثتِها وأناقتها، لدرجة تجعلها تنمِّص حواجبها، وتلبس الضيّق، وأحيانًا المثير.

 

أُخَيتي، لا يوجد مكان يجتمع فيه البنات والأولاد إلا ووجدت الفتاة نفسَها – لا شعوريًّا – ترغب في رؤية نظرات الإعجاب لها، ولو وجدت نظرات الإعجاب متجهة لشخص آخر، لشعرت بالغيرة؛ مما يُولِّد الكُره والحقد والحسد، أليس كل ذلك دليلاً على أن هذه العلاقة ليست طبيعية، وأنها مخالفة للفطرة؟!

 

وحينما يتمكَّن الشيطان من النفس فإنه يزين لها كل حرام، ويُسوِّلُه لها؛ لذلك أمرنا الله عز وجل بالبعد عن كل ما قد يؤدي إلى حرام، وعلَّمنا نبيُّنا الحبيب كل ما فيه الخير لنا.

 

وقد بيَّن رسولنا الحبيب ما في تعامل الرجال مع النساء من فتنة شديدة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء)).[2]

 

وكذلك قال: ((إن الدنيا حلوةٌ خَضِرةٌ، وإن اللهَ مُستخلفُكم فيها، فينظرُ كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النساءَ؛ فإن أولَ فتنةِ بني إسرائيلَ كانت في النساء)).[3]

 

ثم وضَّح لنا بعد ذلك سبل الوقاية من تلك الفتنة، وركز على أكثر الأشياء المثيرة للمشاعر، والتي تكون بداية للفتنة بين الفتيات والأولاد والرجال والنساء، ومنها:

1- النظر:

فأول الصداقة هي النظرة والإعجاب؛ لذلك أمرنا الله عز وجل بغض البصر للنساء والرجال وقال: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور: 30، 31]. وكذلك وضَّح رسولنا الحبيب ماذا نفعل إذا نظرنا فجأة وبدون قصد: فعن جرير بن عبدالله أنه قال: “سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفُجاءة، فأمرني أن أصرفَ بصري”[4].

 

ثم وضَّح بعد ذلك الفرق بين النظرة الأولى – غير المتعمدة – وبين مَن يُطيل النظر، فقال: ((يا عليُّ، لا تتبعِ النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة))[5].

 

ولنحافظ على قلوبنا من الفتنة؛ فقد أوصانا الله عز وجل حين نرغب في التواصل مع الرجال لضرورة، أن يكون ذلك بشروط؛ فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ [الأحزاب: 53].

 

2- الخضوع بالقول:

ومما يفتن القلوب ويأسرها حسن الصوت، ولين الكلام، وقد قيل – قديمًا – في الأمثال: “إن الأُذن تعشق قبل العين أحيانًا”؛ لذلك أمرنا الله تعالى بالانتباه إلى ذلك وقال في كتابه العزيز: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [الأحزاب: 32]

 

3- اللمس:

وللمس سحر خاص، يذيب القلوب، واللمس عادة لا يَحدثُ إلا إذا تعمَّقت العَلاقة بشدة بين الولد والفتاة؛ ولذلك حذَّرنا منه نبينا الحبيب تحذيرًا شديدًا؛ كونه ينقل العَلاقة لمرحلة خطرة جدًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يُطعَنَ في رأس أحدكم بمخْيَطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له))[6].

 

4- الخلوة:

والصداقة عادةً تبدأ بشكل جماعي، ثم بعد فترة تتحول إلى صداقة فردية، حين يرتاح أحد الأصدقاء لشخص معين، وتلك الصداقة الفردية قد تكون من خلال المقابلات الفردية، أو مقابلات جماعية، مع انزواء فردين ليتكلَّما بحوار خاص، أو من خلال الهاتف أو حتى شبكات التواصل الاجتماعي، وهنا تتعمَّق المشاعر أكثر وأكثر، وتزداد الفتنة، ويزداد تأثير الشيطان؛ لذلك حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الخلوة وقال: ((لا يخلوَنَّ أحدُكم بامرأةٍ؛ فإن الشيطان ثالثُهما))[7].

 

وأكَّد على أهمية وجود المحرم في حديث آخر فقال: ((لا يخلُونَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم))[8].

 

كل ما سبق وغيره الكثير يوضِّح خطورة ما يسمى بالصداقة بين الولد والفتاة، ومدى حرمته بالشرع.

 

أسأله سبحانه أن يعينكِ على توعية أختك لما هي مقبلة عليه، وأن ينير بصيرتها، ويهديها إلى الحق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

مدونة الروح والريحان

لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت


[1] حسن: رواه الترمذي (2140).

[2] رواه البخاري (5096).

[3] رواه مسلم (2742).

[4] رواه مسلم (2159).

[5] حسن: رواه الترمذي (2777).

[6] صحيح الجامع (5045).

[7] صحيح: رواه ابن حبان (4576).

[8] رواه البخاري (5233).

Advertisements