قرأت لإحدى الأخوات وصفًا بديعًا عن الحياة الزوجية؛ حيث شبهتها بحديقة خلابة رأتها بأحد المنازل في شارعهم؛ حيث في تلك الحديقة أنواع كثيرة من النباتات والورود تمَّ ترتيبها بعناية شديدة.

لن يختلف اثنان على أن هذه الحديقة لم تظهَر هكذا فجأة، وإنما هناك من بذل فيها جهدًا لعدة ساعات، قد يكون شخصًا واحدًا، وقد يكونون مجموعة أشخاص بينهم اهتمام واحد وهو حب الزِّراعة، ومهما واجهتهم من مشاكل أو عقبات – الحشائش والآفات – فكل همِّهم منصبٌّ على إيجاد حلول لتخطِّي تلك العقبة والحصول على حديقة جميلة وخلابة، وكذلك الحياة الزوجية تحتاج لمن يرعاها بنفس الأسلوب.

لكن من المهم أن يكون لديكِ القدرة لتتعرفي على البذور التي تحتاجينها لغرسها بحديقتك، كما يَنبغي عليكِ أن تنتبهي للآفات والحشائش التي قد تنمو خلسة منك قبل أن تتحوَّل إلى آفة كبيرة تفسد حديقتك وتَقضي على ورودك.

من المهم أيضًا أن تَنتبهي لتغيُّرات الطقس، فحينما تقل الأمطار ستَحتاجين أن تسقي حديقتك بنفسك حتى لا تجفَّ ورودُها وتذبل، وأعلم أن هذا سيتطلب منك مجهودًا كبيرًا، وقد يأخذ منك ساعات طويلة، لكن لا بدَّ أن تُدركي أنه بدون جهودِك وتعبك ستَذبل حديقتك وتموت.

في “حديقة الزواج”، لا يمكنك الجلوس على الأريكة لتُشاهدي الورود وهي تنمو وتزدهر، فهي لن تنمو وحدها، والله خلقنا لنجدَّ ونُكافح في هذه الدنيا، لذلك لا بد أن تبذلي جهدًا كبيرًا حتى تجني السعادة في حياتك.

أعلم أنه ليس سهلاً، ولن يكون سهلاً، خاصة إذا لم تكوني على علم بكيفية الزراعة وأحدث الوسائل المعينة على ذلك.

ولا بدَّ أن تعلمي أن حديقتك قد لا تزدهر بالفواكه بعد كل جهودك لحِكمة لا يعلمها سوى الله عز وجل، لكنَّكِ ما زلتِ مطالَبة بالعمل والاجتهاد بغضِّ النظر عن النتيجة.

وعلى كل حال لا يَنبغي لك أن تنتظري الأجر على عملك في هذه الدنيا.

تلك الحديقة التي تُغطِّيها قطرات الندى في الصباح فتشع بزهرة الابتسامة الساحرة ووردة الكلمة الطيبة.

تلك الحديقة التي زرعتِ فيها نباتات الحكمة والسداد، وغرستِ فيها نباتات الطاعة بالمعروف فيما يحبه الله ويرضاه.

تلك الحديقة التي اعتنيتِ أنتِ بها عناية خاصة، ووضعتِ بها لمساتك المميزة، وهذبتِ أوراق أشجارها لتظهر بمظهر جميل، وسقيتِها من أشواقك بصوتك الندي الرقيق.

فقطرات الندى هي الصباح المشرق الذي تَستيقِظ عليه الأسرة فترى ابتسامتك الساحرة للقلوب والعقول، وتستمع لكلماتك الطيبة التي تطرب الأسماع وتصل للقلوب، فتبدأ الأسرة يومها في سعادة وسرور.

أما الحكمة والسداد بأن تكوني كيسة فَطِنة، تُدركين بماذا تتكلمين وأين تتكلمين ومتى تتكلمين، وأن تكوني هينة لينة في معاملتك وردود أفعالك، فلا تضرك الرياح ولا تَكسِرك الأعاصير، بل تسير من جوارك بهدوء وانسيابية.

وأما الطاعة لزوجك ورفيق دربك فهي لثقتك به وبحكمته وحسن قراراته، وقبل كل ذلك طاعة لله عز وجل؛ لأنَّكِ مؤمنة أن كل شيء بقدر الله، وأننا لا حول لنا ولا قوة إلا بالله عز وجل، ونَثِق فيه أنه سيُوفِّقنا لكل خير فقط حين نستعين به ونلجأ إليه ليُعينَنا على اختيار ما يحبه الله ويرضاه.

أما لمساتك فهي بصمتك الأنثوية الخاصة في حياة أسرتك، لتُصبحي جزءًا من حياتهم لا يستطيعون الاستغناء عنه، فتَسحريهم بأكلاتك الراقية، وتُعينيهم على الوصول لحاجاتهم بتَرتيبك المميز لملابسهم وأغراضهم، وتشاركيهم اهتماماتهم، وتعوديهم على أن قطعة الحلوى الخاصة بهم لن تكون شهية إذا لم يُشارِكوك بقَضمة منها، فأنتِ هنا لستِ زوجة ولا أمًّا، بل أنت طفلتهم المدلَّلة (طفلة زوجة وأبنائك).

ومن أهمِّ اللمسات الأسرية: احتواؤهم وإشباعُهم عاطفيًّا، ومُشاركتهم بالجلوس معهم مرةً أسبوعيًّا في أي مكان عام لشرْب مشروبك المنعش الجميل بعيدًا عن مشاغل الحياة، لتتبادَلوا الطرائف والضحكات.

ومن أهم لمساتك الزوجية:

♦ أن تُرسلي لزوجك على الأقل رسالتين في الأسبوع لتبثِّي أشواقك أو تُذكِّريه بموقف طريف بينكما، أو تلمِّحي له بحركة رقيقة قام بها معك أو أن يكون لك جلسة خاصة مع زوجك ولو كانت ليلة مميَّزة لكما معًا، حتى لو كانت مرةً كل شهرَين أو ثلاثة.

♦ وكذلك صوتك الهادئ الرقيق، المُفعم بالأنوثة والحيوية، والذي يشع دلالاً ورقَّة، فيشتاقون لسماعه ليل نهار.

وتذكَّري أن بعض الزهور والورود (أفراد أسرتك) قد تَحتوي على أشواك جارحة (طباع جبلوا عليها)، فدَورك هو الاستمتاع بجمال الزهور والورود، واستنشاق عبيرها بدون أن تجرحي نفسك بأشواكها.

وانتبهي كذلك لبعض الحشائش والآفات (الخلافات الزوجية) التي تحاول أن تتسرَّب إلى حديقتِك لتشوِّهها وتأكل من غذائها حتى تَذبل الحديقة وتموت.

فهل تتوقَّعين بعد كل تلك الرعاية والعناية، وبعد أن أصبحت حديقتك جميلةً وآسرةً للأبصار قبل القلوب، هل تتوقعين بعد كل ذلك أنك ستَسمحين بأي آفة أو عشب دخيل ينمو في حديقتك ويفسدها؟

وهل تتوقعين أن زوجة كهذه لن يَفتقدها زوجها وأولادها ولن يسعوا لسعادتها ورضاها لو حزنت أو مرضت أو غابت لسفر أو غيره؟

بالطبع لا!

واعلمي أن تلك الحشائش لم تكبر فجأة بين زهور حديقتك، لكنها بدأت صغيرة، ومع غفلتك عنها وإهمالها بدأت تكبر رويدًا رويدًا، وأصبحت تتغذى من زهور حديقتك ونباتاتها:

♦ فمرةً تأكل من زهرة الابتسامة الساحرة.

♦ ومرة تأكل من وردة الكلمة الطيبة.

♦ ومرة تأكل من نباتات الحكمة والسداد.

♦ ومرة تأكل من نباتات الطاعة.

لذلك ينبغي عليكِ أن تكوني فطنة وحذرة لتَنتبهي لها من البداية قبل أن تتوغل في حياتك وتُدمِّرها، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدرتك على هذه المَهمة حين قال: ((والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها))[1].

فأنتِ مَن كلَّفك الله برعاية البيت بكل من فيه، فتحتوينهم وتجمعين شملهم، وتوجهينهم وترشدينهم.

أتعلمين لماذا؟

لأنك تمتلكين من السمات التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يُبشِّرك بأنك ستكونين من نساء أهل الجنة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أُخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ الودود الولود، العؤود؛ التي إذا ظُلمت قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوقُ غمضًا حتى ترضى))[2].

فأنت:

♦ الودود التي تتحبَّب إلى زوجها وأبنائها.

♦ العؤود التي تعود على زوجها وأسرتها بالنفع.

♦ التي إذا ظلَمها زوجها قالت له: لا أذوق غمضًا – أي: نومًا – حتى ترضى؛ أي: لن أستطيع النوم حتى تتصافى قلوبُنا، ونَصِل لحل يرضيك قبل أن يُرضيني.

وليس بالاعتذار والتذُّلل كما تفعل كثير من النساء، ولكنه بالتفاهم والتراضي والحب الذي يجمع بينكما، فلا تمر ليلة وإلا وقد ازددتما محبة وقربًا.

فكثير من الأخوات حينما تقرأ حديث “لا أذوق غمضًا حتى تَرضى” تظن أن المقصود به هو الاعتذار، فتجدينها تُسرع بالاعتذار طلبًا لمرضاة الزوج، ومرةً مع مرة يتحول الاعتِذار لشيء روتيني ويبقى سبب المشكلة قائمًا، فتكون كمن أصابها الألم وأخذت مسكِّنًا ليُضيع الألم لكنها لم تبحث عن المرض الذي تسبب في هذا الألم، ومع مرور الوقت يزيد المرض حتى يأتي وقت لا تنفع فيه المسكِّنات، وكان من باب أولى أن تراضي زوجها بالجلوس معه ومُحاولة فهم سبب المشكلة لإيجاد حلٍّ يُرضي جميع الأطراف وأوَّلهم الزوج.

ويكون ذلك في نقاش هادئ تَستخدم فيه دلالها ورقَّتها وأنوثتها بطريقة ودود ولينة وهينة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيتُ من ناقصات عقْلٍ ودين، أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكنَّ))[3]، فرغم أن المرأة ناقصة عقل لأنَّ شهادتها نصف شهادة الرجل؛ لكون عاطفتها قد تغلب عليها أحيانًا، ورغم أنها ناقصة دين لأنه يأتيها الحيض شهريًّا فتتوقف عن الصيام والصلاة، فإن الله جعلها قادرة على أن تُفقد الرجل الحازم عقله بأنوثتها ودلالها وغير ذلك مما تتميَّز به النساء دون غيرهنَّ.

فهل هناك شكٌّ بعد ذلك في أنكِ تملكين زمام الأمور والقدرة على التخلُّص من تلك الآفات والحشائش التي ترغَب في إفساد بيتك وتدميرها؟

كل ما تحتاجين إليه:

♦ أن تتحلَّي بالصبر لتنزعي الحشائش من جذورها بدون أن تُصيبِي الزهور والورود التي في حديقتك.

♦ وكذلك الحكمة لتستطيعي نزعها برفق من المكان المناسب وفي الوقت المناسب.

♦ وفي بعض الأحيان تَحتاجين للتغافُل؛ فقد لا تكون الحشائش ضارةً، وقد تموت وحدها دون تدخل منك، فلا داعي للتربص بكل آفة تتعرض لها حديقتك.

♦ والأهمُّ مِن كل ذلك الاهتمام، فلا ينبغي لك أن تَغفلي عن الاستمرار في رعايتك حديقتك،

نعم؛ لقد أصبحت حديقتُك ساحرةً خلابة، لكنَّها تحتاج لعناية مُستمرة منك؛ ليستمرَّ جمالها وبهاؤها.

فلا ينبغي لكِ أن تُهملي رعايتك لبيتك وقت الخلافات.

ولا يَنبغي لك أن تُهملي اهتمامك بمن ترعينهم.

ولا ينبغي لك أن تُهملي اهتمامك بنفسك.

فكل هذه أبواب يدخل منها الشيطان ليفسد حياتك الزوجية.

وإذا كان أهل العلم قالوا بعدم خروج المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا من منزلها في فترة العدَّة، بل عليها بالتزين والاهتمام بنفسها، والظهور أمام زوجها بزينتها، فلعل في هذا سببًا لرجوعه إليها، فمِن باب أولى أن تَهتمِّي بنفسك وقت الخلافات وأنتِ لم تَصِلي لمرحلة الطلاق، وإذا كانت الصحابية أم سليم رضي الله عنها تزيَّنت وتجملت لزوجها ليقضي معها أجمل ليلة حين مات طفلها، فيكون مهيئًا لسماع خبر الوفاة بأقل قدْرٍ من الصدمة، فمن باب أولى أنه مهما بلغ بك الغضب والشعور بالظلم والألم أن تَتغاضي عن كل هذا وأن تَستَخدمي دهاء الأنثى وذكاءها لتُصلحي ما أفسده الشيطان بينك وبين زوجك؛ فمن وسائل زيادة القرب والحب وقت الخلافات:

♦ تقول إحدى الأخَوات: إنها في إحدى المرات كان هناك خلاف بينها وبين زوجها، وكانت نفسيتها مُتعَبة، فقامت وأخذت حمامًا مُنعشًا، ثم لبست أفضل شيء لدَيها، ووضعت عطرها المفضَّل، وذهبت لتجلس مع الأولاد وتلعب معهم حتى تُزيل آثار التعب والحزن، وتتخلَّص من آثار تلك المشكلة على نفسها، وقد كان تصرُّفها هذا سببًا لإنهاء الخلاف؛ لأن زوجها لم يقاوم بعده عنهم في هذا الجو الأسري الحميمي.

♦ تقول أخرى: إنه مهما حدث من زعل بينها وبين زوجها فنادرًا ما تُغيِّر روتين حياتها أو تقلِّل من اهتمامها بزوجها، وحتى مكان نومها لا تغيره، وقد أخبرت زوجها مرة أنها تعودت على النوم بجواره، وكونها نائمة بجواره لا يعني أنها ليست غاضبةً منه، لكنها تعودت على جواره، فتقبَّل زوجها الأمر وأصبَحا لا يفترقان في النوم مهما كانا غاضبين من بعضهما البعض، وكان لذلك دور في تقليل الفجوة وقت الخلافات، وتقبُّل الصلح بسهولة ويسر.

♦ وتقول أخرى: إنها وقت الخلاف أحيانًا تُزعج زوجها برسائل الاعتذار اللطيفة والمشاكسة حتى يرضى، وإذا تجاهلَها تُخبره أنها ستستمرُّ في مُراسلته، وسيكون هو الخسران؛ لأن رصيدها سينفد، وسيضطر لشحنه مرة أخرى.

♦ وتقول أخرى: إنها تنتهز فرصة يكون فيها تأثير الشيطان ضعيفًا عليها، فتسرع لزوجها وتقول له – تُشاكسه -: إني قبلتُ رغبتك في مصالحتي.

♦ وتقول أخرى: إنها اتفقت مع زوجها أنه مهما حدث بينهما فبُمجرَّد دخولِهما غرفة النوم لا بدَّ أن ينسيا تَمامًا أي خلافات حدثتْ خارج الغرفة حتى لا تؤثِّر على علاقتهما داخل الغرفة، وسبحان الله! كان لهذا عامل قويٌّ في الفصل بين ما يَحدث خارج غرفة النوم وداخلها في وقت الخلافات.

ومن وسائل الإصلاح:

♦ الوقاية خير من العلاج.

♦ محاولة فهم أساس المشكلة لتستطيعي علاجها.

♦ عدم إعطاء المشكلة أكثر مما تستحقُّ حتى لا تتضخَّم.

♦ المبادرة والاحتواء في بداية المشكلة قبل أن تكبر.

♦ الرفق.

♦ التعايُش والتكيُّف معها لو كان أساس المشكلة صفة جِبليَّة في الزوج مثل الغيرة.

♦ وفي النهاية دعيني أهمس لكِ أخيتي وأقول:

لا تسمحي لأي شخص مهما كان أن يقترب من حديقتك ويفسدها، ولا تعتمدي على غيرك أن يحقِّق لكِ سعادتك؛ بل اجتهدي للحصول عليها بعد الاستعانة بالله عز وجل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

مدونة الروح والريحان

لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت

———————————————————————

[1] صحيح البخاري (6184).

[2] صحيح الجامع (2604).

[3] صحيح البخاري (304).

 

 

Advertisements