(للعبادة لذة لا يشعر بها إلا من استعد لها، ولها أنسام لا يغتنمها إلا من انتظر هبوبها)
والعبادة لابد من التمهيد إليها بالنية والأعمال الصالحة حتى تؤتي ثمارها خاصة في رمضان، يقول الفضيل رحمه الله: (إنما يريد الله منك نيتك وإرادتك.)

وحتى يسبقك قلبك إلى رمضان فلابد من أربع خطوات:
1. تطهير القلب.
2. التهيئة النفسية.
3. التخطيط.
4. البدء في التدريب.
فدعينا نتأمل هذه الخطوات واحدة تلو الأخرى.

أولا: تطهير القلب:
هل تأملتِ حال قلبك في كل يوم يمر عليكِ؟
هل تابعتِ كل ما يمر عليه من شواغل؟
أعني:
كيف هو قلبك يا رفيقتي بعد أن تصفحتِ شبكات الانترنت بكل ما فيها من مرئيات وصور وكلمات؟
كيف هو قلبك بعد إنتهاءك من تلك الزيارة الطويلة بكل ما فيها من مأكولات ومشاهدة ملابس النساء والقيل والقال؟
كيف هو قلبك بعد تلك المكالمة الطويلة التي تعدت السلام والاطمئنان على الأحوال وانتقلت إلى تبادل أخبار فلانة وعلانة؟
كيف هو قلبك بعد قضاءك ساعات للبحث عن وصفة جديدة وساعات أخرى لتنفيذها بدون أن ترطبي لسانك بذكر الله؟
كيف هو قلبك بعد الإنغماس في العمل يوما كاملا بدون التفكر في آيات الله؟

بالتأكيد أصبح قلبك مفتونا وذهنك مشغولا بكل هذا لفترة من الزمن، وفي خلال كل ذلك غفل قلبك عن الإقبال على الله تعالى ولم يكن مشتاقا للقائه ومناجاته وذكره كما كان قبلها.

فكيف لقلب كهذا أن يسبقك إلى رمضان ويجعل روحك تسبقك لعنان السماء؟؟
يقول ابن القيم رحمه الله: (الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العلائق وتذليل العوائق) [الفوائد]
فالمطلوب هو زيادة القرب من الله عز وجل والإشتياق له والتعلق به.
والعوائد التي نحتاج لهجرها هي العادات التي اعتدنا عليها وأصبحت تعوق طريق قربنا من الله عز وجل.
وكل هذا يمكن تحقيقه بتذكير أنفسنا بالمقصد من الصيام وهو “التقوى”، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]

يقول ابن كثير رحمه الله: (وقد قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى،
فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك.
قال: بلى.
قال: فما عملت.
قال: شمرت واجتهدت.
قال: فذلك التقوى
وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل (أي اترك) الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى، واصنع (أي افعل) كماشٍ (كمن يمشي) فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى. ) [تفسير بن كثير]

وقال ابن القيم رحمه الله: (قال طلق بن حبيب: “إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى،
قالوا: وما التقوى؟،
قال: أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله ؛ ترجو ثواب الله،
وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله؛ تخاف عقاب الله”). [بدائع الفوائد]
.
فاجتهدي يا رفيقتي بمعالجة قلبك من الآن.
من خلال تفريغ قلبك وعقلك من كل تلك الملهيات والتخلص من كل ما قد يشغلك ويلهيك عن الاشتياق للقرب من الله عز وجل.
• فتلك الزيارات الطويلة يمكن استبدالها بزيارات قصيرة ومتفرقة تؤدي الغرض، مع تحويل الزيارة إلى مجالس لذكر الله والتقرب إليه.
كما كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: (اجلسوا بنا نزدد إيمانا)،
وكان معاذ رضي الله عنه يقول: (اجلسوا بنا نؤمن ساعة)
• اختصري من وقت المكالمات، واقتصري على الاتصال للسؤال عن الأمور الهامة والضرورية.
• اختصري من وقت تواجدك بمواقع التواصل الاجتماعي، واكتفي منها بإثنين أو ثلاثة تكوني في حاجة ملحة لها.
• اخرجي من جميع الجروبات في وسائل التواصل الاجتماعي والتي تمتلأ بالدردشة وتضييع الأوقات إلا إذا كانت ذو فائدة عظيمة (أي لابد أن يكون 90% من الوقت الذي تقضيه فيها مليء بالفائدة).
• رطبي لسانك بذكر الله وقت إنشغالك بالأعمال (وقت ترتيب البيت، الطبخ، الجلوس بين الأبناء، أوقات الانتظار بالمواقف أو السيارات أو في العيادات وغيرها،…).
• اقتنصي من وقتك خمسة دقائق كل ساعة لترتاحي ذهنيا من أعمالك واستعيدي نشاطك باستغلالها في ذكر الله والدعاء وتلاوة آيات من القرآن.

بإختصار، حولي كل دقيقة في حياتك إلى ذكر الله، واستغلي طاقتك في زيادة الإيمان.
ولا تنسي التوبة والإستغفار من كل ما اقترفتيه من ذنوب (صغيرة كانت أو كبيرة) مع الإلحاح على الله بالدعاء لتبلغي رمضان بقلب طاهر ومشتاق.

يقول الشيخ الشنقيطي حفظه الله: (خير ما يستقبل به مواسم الطاعات “كثرة الاستغفار” لأن ذنوب العبد تحرمه التوفيق !!
ما ألزم عبد قلبه الاستغفار..إلا زكى، وإن كان ضعيفا قوي، وإن كان مريضا شفي، وإن كان مبتلى عوفي، وإن كان محتارا هدي، وإن كان مضطربا سكن..
و إن الاستغفار..هو الأمان الباقي لنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم !!) ا.ه

ويقول ابن كثير رحمه الله: (ومَن اتَّصف بهذه الصفة – أي: صفة الاستغفار – يسَّر الله عليه رزقَه، وسهَّل عليه أمرَه، وحفظ عليه شأنه وقوَّته؛ ولهذا قال: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا }) [تفسير ابن كثير]

والاستغفار لا يقتصر على الترديد باللسان فقط بل من فضل الله ورحمته أن جعله إسلوب حياة، حيث تنوعت وسائله وتخللت الكثير من أعمالنا اليومية، وللمزيد من التفاصيل، فضلا اطلعي على مقالتي (التوبة إسلوب حياة)
.
يتبع بعون الله
::
::
مدونة الروح والريحان
لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت

Advertisements