يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل عمل شِرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) [صحيح الترغيب]
.
وقد شرحه الشيخ الشنقيطي حفظه الله فقال أن الإنسان حين يُقبل على العمل الصالح يشعر برغبة شديدة وشراهة في الطاعة تجعله يود لو أن جميع حركاته وسكناته في طاعة الله من لذة وحلاوة الإيمان التي وجدها في العبادة.
.
لكن هذه الرغبة تكون لفترة
ثم يجد نفسه قد ألف الطاعة فيصيبه الفتور وضعف الإيمان لحكم بالغة، منها أن يظهر فيها صدق الصادق،
فبعض الناس إذا أصابه الفتور استمسك، وأصبح في دعاء وإنابة لله عز وجل، وخوف أن يُسلب منه ذلك العمل الصالح،
فهذا تجده يحافظ على قيام الليل والنوافل والطاعات، فإذا قصَّر قليلا تألم وانزعج كأنه فقد حياته، وهؤلاء هم أعلى الناس مقاما في العمل الصالح.
.
والبعض إذا أصابه الفتور استسلم وفرط في العبادات كلها وربما لم يستطع العودة لما كان عليه.
فالإنسان إذا شعر بلذة العبادة وحلاوتها، لابد من الفتور بعدها ليجدد النية وليتجدد الشوق فيعود للعمل الصالح بحرص أكثر وشوق أكبر. [من محاضرة حياة القلوب]
::
ويقول ابن القيم رحمه الله: (فتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لا بدَّ منه،
فمَن كانت فَتْرَته إلى مُقَاربة وتسديد، ولم تُخْرِجه مِن فرضٍ، ولم تُدْخِله في محرَّمٍ، رُجِي له أن يعود خيرًا ممَّا كان،
قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وأرضاه: إنَّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلت فخذوها بالنَّوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض.
وفي هذه الفترات والغيوم والحُجُب -التي تَعْرِض للسَّالكين- مِن الحِكَم ما لا يعلم تفصيله إلَّا الله، وبها يتبيَّن الصَّادق مِن الكاذب،
فالكاذب ينقلب على عقبيه، ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه،
والصَّادق ينتظر الفرج ولا ييأس مِن روح الله، ويلقي نفسه بالباب طريحًا ذليلًا مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتَّة، ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له،
لا بسبب مِن العبد، وإن كان هذا الافتقار مِن أعظم الأسباب، لكن ليس هو منك،
بل هو الذي مَنَّ عليك به، وجرَّدك منك وأخلاك عنك، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه) [مدارج السالكين]
::
::
وللتغلب على ذلك الفتور:
1. لا تنتظري حتى يتمكن منك الفتور، ولكن إذا شعرتِ ببعض التقصير فسارعي بتجديد نشاطك بالتنويع بالعبادة.
.
2. عند الحماس لممارسة الطاعة، اجتهدي بالعبادة، وعند الفتور حافظي على الفرائض والتزمي باليسير من النوافل
فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها وإن قل). [رواه البخاري]
.
3. لا تتركي نفسك للفراغ بل دوما اشغلي نفسك بعمل نافع واجعليه همك الذي تفكري فيه ليل نهار،
فالفراغ يؤدي إلى الملل وارتكاب المعاصي مما يجعلك تبتعدي عن الطاعات.
.
4. اجتهدي في التنويع في العبادات
فإن تكاسلتِ عن تلاوة القرآن فعليكِ بالاستماع،
وإن تكاسلتِ عن الإستماع فعليك بركعتين تناجي فيهم الله بذل وإنكسار،
وإن تكاسلتِ عن ذلك فعليك بالقراءة في التفاسير،
وإن تكاسلتِ عن ذلك فعليكِ بقراءة الكتب التي ترقق القلوب وتجدد الإيمان،
وإن تكاسلتِ عن ذلك فعليك بالاستماع للمقاطع الصوتية التي تنعش القلوب وتحييه وغيرها.
.
5. المداومة على الاستغفار وذكر الله مع التذلل لله عز وجل كما كان يفعل الأنبياء عليهم السلام لقوله تعالى: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23]،
وقوله تعالى: (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ) [هود:47]
.
6. ذكري نفسك دوما بقوله تعالى: {هم درجات عند الله} [آل عمران: 163]،
وانظري أي درجة ترغبي أن تكوني وجاهدي نفسك لتناليها.
.
يتبع بعون الله
[كتيب: سباق القلوب إلى رمضان لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت]
::
::
مدونة الروح والريحان
لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت
https://amatulrahmaan.wordpress.com/

Advertisements