في منتصف شهر رمضان يكتمل البدر يا رفيقتي وبعد إكتماله يبدأ في النقصان وتبدأ العشر الأواخر من رمضان، فأحسني فيما بقي ولا تبالي في تقصيرك بالأيام السابقة، يقول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]

فالعبرة بخواتيم الأعمال وليس بالتقصير في البدايات، يقول ابن الجوزي: (إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها لتفوز بالسباق.. فلا تكن الخيل أفطن منك ! فإنما الأعمال بالخواتيم.. فإنك إذا لم تحسن الاستقبال لعلك تحسن الوداع !!)

وقد كان هديه صلى الله عليه وسلم أن يتفرغ للعبادة في هذه الأيام، يقول الشيخ عبد العزيز الطريفي حفظه الله: (انقطاع النبي صلى الله عليه وسلم في العشر بالاعتكاف، مع كونه يدير دولة الإسلام ويفتي الأنام والأمة تحتاج إليه، دليل على أن الأولى تأجيل المصالح لأجل هذه العشر.)
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله( [رواه البخاري]

والأصل في إحياء الليل هو القيام لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه) [رواه مسلم]

وقد قال رجل للحسن: (يا أبا سعيد ما أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله من الأعمال؟
قال: ما أعلم شيئاً يتقرب به المتقربون إلى الله أفضل من قيام الليل)

ورغم أن الأصل في إحياء الليل هو الصلاة إلا أن بعض العلماء قالوا أن إحياء الليل قد يشمل جميع الطاعات:
قال الحافظ: (وأحيا ليله) أي سهره بالطاعة.
وقال النووي: أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها.
وقال في عون المعبود: أي بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن.

وأيا كان نوع الطاعة التي تنوينها يا رفيقتي، تذكري أن أهم شيءٌ فيها هو الانقطاع عن التفكر في الناس لتتفرغي للتفكر في الله سبحانه وتعالى.
يقول الله تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) [المزمل: 8]

قال ابن كثير: (أي: أكثِرْ من ذِكره، وانقطع إليه، وتفرَّغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك؛ كما قال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) [الشرح: 7]؛ أي: إذا فرغت من أشغالك، فانصَبْ في طاعته وعبادته؛ لتكون فارغ البال) [تفسير ابن كثير]

وقال ابن سعدي رحمه الله: (أي: انقطع إلى الله تعالى؛ فإن الانقطاع إلى الله والإنابة إليه، هو الانفصال بالقلب عن الخلائق، والاتصاف بمحبة الله، وكل ما يقرِّب إليه ويُدْنِي من رضاه)
.
وانتبهي يا رفيقتي أن يثنيك الشيطان عن العبادة بزعم أنك تصلي وتقرأي بلا خشوع ولا حضور قلب ولا لذة، فالهدف الحقيقي من العبادة هو التقرب لله عز وجل حتى لو لم تستشعري لذة العبادة من البداية، فاصبري وتذللي وانكسري بين يديه سبحانه وادعيه كثيرا ألا يحرمك من استشعار لذة عبادته، لعل الله يرزقك بها ولو بعد حين.
فإنكِ لو استسلمتِ وتركتِ العبادة لعدم إستشعارك لذتها، فبأي وجه تطلبي اللذة وترجيها.

وانتبهي يا رفيقتي ألا تكوني ممن يجتهدوا بالطاعة ليلا، ويكسلوا عنها ويفتروا نهارا، فرغم فضل إحياء الليل في رمضان وخاصة العشر الأواخر، إلا أن شهر رمضان كله هو شهر عباده في ليله ونهاره.

وإليك بضعة النصائح التي تعينك على هذه العشر:
1. أن توقني أنه لا حول لكِ ولا قوة إلا بعونه سبحانه، فرديديها دوما واطلبي منه العون في كل صلاة مستشعرة قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين} [الفاتحة: 5]
2. ذكِّري نفسك دوما أن هذا قد يكون آخر رمضان يمر عليك، فكيف تريدين أن تودعيه؟
3. اكثري من الخلوات مع الله عز وجل ولو كانت لمدة خمسة دقائق في كل ساعة.
4. نوعي بين العبادات، وتمسكي بالعبادات التي ينشط لها قلبك وترغبي بالاستزادة منها.
5. إذا فتح الله عليكِ بعبادة، فإياكِ أن تُعجبي بنفسك فيها حتى لا يُحبط عملك، بل اجتهدي في التذلل والإنكسار بين يدي الله ونسب الفضل إليه، وتذكري أن العبرة بقبول العمل وليس بكثرته.
.
يتبع بعون الله
[كتيب: سباق القلوب إلى رمضان لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت]
::
::
مدونة الروح والريحان
لأم عبد الرحمن بنت مصطفى بخيت
https://amatulrahmaan.wordpress.com/

Advertisements